منوع

خطابات الرئيس من ضجيج الحرب الى همس المفاوضات

16 - حزيران - 2026 / 8:05 صباحا

خطابات الرئيس: من ضجيج الحرب إلى همس المفاوضات (بقلم الدكتور علي حسين يوسف ) بدأت الحرب على إيران كما تبدأ الملاحم؛ كلماتٌ ضخمة، ووعودٌ تلامس حدود المستحيل، وأهدافٌ تُرسم على الخرائط كأنها حقائق لا تقبل الجدل. قيل إنّ النظام الإيراني إلى زوال، وإن إيران وبرنامجها النووي ستُمحى من الوجود، وإن الشرق الأوسط سيستيقظ على صورة جديدة لم يألفها من قبل. وكانت الأصوات ترتفع في واشنطن وتل أبيب حتى ليخيل إلى السامع أن التاريخ قد حُسم أمره وأن المستقبل سوف يكتب بطريقة طرزانية. ثم مضت الأيام فإذا الحرب تعلّم أصحابها إن الحماسة الزائدة تحجب عنهم رؤية الحقيقة. فالأمم لا تسقط بالخطابات، والجغرافيا لا تنصاع لرغبات المجانين، والقوة نفسها تكتشف حدودها ويفتضح أمرها حين تصطدم بوقائع الأرض. وشيئاً فشيئاً أخذت الأهداف الكبرى تتقلص كما يتراجع المد بعد اندفاعه حتى غدت الغاية ما كان يُعدّ في الأمس تفصيلاً صغيراً في هامش المعركة. كان الحديث أول الأمر عن تغيير النظام ثم صار عن إضعافه. وكان الكلام عن إنهاء المشروع النووي ثم أصبح عن تقليص القدرات العسكرية. وكان الوعد بإعادة تشكيل المنطقة ثم انتهى الأمر إلى البحث عن تهدئة تحفظ المصالح وتمنع اتساع الخسائر. وهكذا هبطت الحرب من قمة الشعارات إلى أرض المفاوضات. وأكاد أجزم إن هذا التحول كان ثمرة واقع فرضه الإيرانيون بعد أن أظهروا قدرة عجيبة على التحمل والثبات، فقد أذهل العناد الإيراني العالم بأسره حتى أبدت أسواق الطاقة هشاشتها، وحتى ذكّر مضيق هرمز العالم بأن الجغرافيا قد تكون أبلغ أثراً من الطائرات والصواريخ نفسها. وعندما أخذ توقف النفط يهدد الاقتصاد العالمي تغير الهدف من إسقاط النظام إلى كيفية إعادة السفن إلى مساراتها وإعادة التجارة إلى حركتها وكأن المضيق كان مغلقاً قبل الحرب!!!. لهذا جاء المشهد الأخير مختلفاً عن مشهد البداية، فالرئيس الأمريكي الذي طالما تحدث بلغة الحسم والمحو عاد يتحدث بلغة الاتفاق، والحرب التي رُسمت لها غايات وجودية انتهت إلى تفاهمات وتصالح، والخصم الذي أُريد له أن يُستبدل عاد شريكاً عنيداً في التفاوض. وهكذا كشفت هذه الحرب مرة أخرى عن حقيقة قديمة لا يملّ التاريخ من تكرارها: إنّ الساسة الذين يفتقدون الحكمة يبدأون الحروب بما يشتهون لكنها تنتهي بما تقرّه حكمة الخصم وثباته، وما بين الرغبات الطافحة والحكمة الهادئة تتبدد الشعارات لتبقى لغة التفاوض والرضوخ هي اللغة الأخيرة التي يلجأ إليها الطغاة حين تعجز البنادق عن إنجاز ما وعدت به الخطب الرنانة.