منوع

الديمقراطية بين الحرية والعبودية المقنعة !!

27 - آذار - 2025 / 9:35 صباحا

الديمقراطية بين الحرية والعبودية المقنّعة!! ▪️بقم الأستاذ تيمور الشرهاني ****** الديمقراطية الأثينية القديمة، التي تُعد من أقدم أشكال الديمقراطية في التاريخ، كان حق التصويت محصوراً بفئة محددة من المواطنين، وهم الذكور الأحرار البالغون، بينما تم استبعاد فئات أخرى مثل النساء، الأجانب، والعبيد. كان هذا الاستبعاد قائماً على اعتقاد سائد بأن العبيد يفتقرون إلى الاستقلالية الفكرية والاجتماعية، حيث كانوا يُعتبرون مجرد ممتلكات لا رأي لها، وغالباً ما يتبعون أسيادهم في كل شيء، بما في ذلك القرارات السياسية. هذه الرؤية، رغم قسوتها بمعايير اليوم، كانت تعكس فهماً عميقاً آنذاك لأهمية استقلالية الناخب في الحفاظ على نزاهة العملية الديمقراطية. وعند النظر إلى المشهد السياسي في العراق اليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه لكن بطرق مختلفة. فبينما يتمتع المواطن اليوم بحق التصويت، إلا أن الكثيرين يجدون أنفسهم مرتهنين لنفوذ المسؤولين أو القوى السياسية، سواء بسبب الضغوط الاقتصادية، الولاءات الطائفية والعشائرية، أو حتى الخوف من فقدان الدعم والخدمات الأساسية. هذه الحالة من التبعية السياسية تفقد العملية الديمقراطية جوهرها القائم على حرية الإرادة والاختيار، وتحوّل الانتخابات إلى ممارسة شكلية تفتقر إلى التأثير الحقيقي في مسار الحكم. بيد إن أحد أبرز أسباب هذه الظاهرة هو الفقر والضغوط الاقتصادية التي تجعل المواطن عرضة للتبعية لمن يوفر له الوظيفة أو الراتب أو الحماية. إلى جانب ذلك، تعزز الولاءات الطائفية والعشائرية هذا النمط من السلوك الانتخابي، حيث تصبح الانتماءات الضيقة هي المحرك الرئيسي للقرارات السياسية بدلًا من البرامج الانتخابية أو الكفاءة. ولا يمكن إغفال دور الفساد السياسي الذي أضعف ثقة الناس في النظام الانتخابي، وشجع على ترسيخ هيمنة المسؤولين عبر توزيع المنافع بطريقة تمنع أي تغيير حقيقي. إن مواجهة هذه الحالة تتطلب إصلاحات جذرية تبدأ من تعزيز الوعي السياسي لدى المواطنين من خلال التعليم والإعلام الحر والمستقل، بحيث يصبح الناخب واعياً بحقوقه ومسؤولياته، ويختار ممثليه بناءً على الكفاءة والبرامج الانتخابية الواضحة. كما يتطلب الأمر مكافحة الفساد بشكل صارم، لأن الفساد لا يخلق فقط حالة من انعدام الثقة بالمؤسسات، بل يكرّس أيضاً التبعية الاقتصادية والاجتماعية. إلى جانب ذلك، يجب إصلاح النظام الانتخابي لضمان نزاهة الانتخابات وحماية إرادة الناخبين من أي تلاعب أو ضغوط، فضلاً عن تمكين المواطنين اقتصادياً، لأن الفقر هو أحد أكبر عوامل التبعية التي تجعل الناخبين أسرى لمن يوفر لهم الدعم. إذا كان الإغريق القدماء قد حرموا العبيد من حق التصويت خوفاً من تأثير أسيادهم على قراراتهم، فإن الديمقراطية الحديثة يجب أن تسعى لضمان حرية الإرادة لكل ناخب، بعيداً عن أي ضغوط أو تبعية. العراق، كغيره من الدول التي تطمح إلى بناء نظام ديمقراطي حقيقي، يحتاج إلى إرادة سياسية جادة لإعادة بناء نظام يضمن للمواطن حرية الاختيار والاستقلالية. لأن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في ظل عبودية جديدة تتخفى خلف الفقر والفساد والولاءات الضيقة. إن حرية الناخب هي الأساس، وبدونها يفقد النظام الديمقراطي معناه الحقيقي.